Social Icons

Featured Posts


السبت، 1 مارس، 2014

حسن ببّو يتحدث عن أحداث الوردانين (جانفي 1969) وآثارها على حركة التعاضد

«كان بالإمكان تفادي اضطرابات الوردانين والساحل لو عمل المسؤولون على إقناع المواطنين بجدوى التعاضد»
تونس
الصباح: نظمت مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات التي يديرها الدكتور عبد الجليل التميمي أمس منتدى الذاكرة الوطنية وتحدث على منبره مدير الأمن الوطني السابق السيد حسن ببو وتطرق في شهادته التاريخية إلى أحداث الوردانين التي جدت في شهر جانفي 1969 وآثارها على حركة التعاضد..
وقال المؤرخ التميمي أن ببو يعد المهندس الحقيقي
لتونسة الديوانة بعد الاستقلال، عندما منح هذا القطاع أحقيته كأول مؤسسة وطنية لعبت دورا جوهريا في بناء الدولة الوطنية. وبعد الديوانة تم تعيينه مديرا للأمن الوطني وذلك بتاريخ 06 ديسمبر 1968 ولهذا الغرض كانت له معرفة بأدق التفاصيل حول طبيعة تأرجحات الرأي العام التونسي
وعلى الأخص من ذلك مواقف المواطنين تجاه حركة التعاضد التي وصلت خلال سنة 1969 إلى مرحلة حاسمة جدا، نتيجة التدخل المخرب لعدد من القوى الداخلية والخارجية لإفشال مشروع التعاضد. وقد أدى ذلك التدخل إلى ازدياد قوة التململ الشعبي وعدم قبول الفلاحين الناقمين تسليم أراضيهم ومزارعهم أو مواشيهم لتندمج في أية حركة تعاضدية.
وكان أبرز بدايات هذا التململ والغليان والنقمة، ما حصل في الوردانين في أواخر شهر جانفي 1969، عندما اصطدم الشعب بقوى الأمن وانفلت على إثرها الوضع الأمني وتم اعتقال المئات من الناس وتوالت التقارير الأمنية التي عكست ذلك وكان السيد حسن ببو بحكم منصبه كمدير للأمن الوطني على إطلاع على الحقائق المتصلة بهذا الوضع الدقيق. وكانت تداعيات أحداث الوردانين على حد قول المؤرخ دقيقة جدا وأدت بالتالي إلى بداية التفكير في مدى جدوى التعاضد، كما برزت شعارات "لا رجوع ولا تراجع في حركة التعاضد" التي أطلقها بعض المسؤولين الكبار في الدولة. وهناك أطراف أخرى استغلت هذه الوضعية الدقيقة لتعميق رفض المواطنين للتعاضد جملة وتفصيلا وحتمية إقناع الرئيس بورقيبة بإعلان وقف التجربة التعاضدية حالا وهذا ما تم بالفعل. وعليه شكلت أحداث الوردانين مرحلة حاسمة جدا في وقفة التأمل لإفشال مشروع التعاضد ككل.
شهادة حسن ببو
قال حسن ببو في شهادته التاريخية إنه بعد خروجه من الديوانة دخل سلك الأمن وكلف بتكوين مجموعة من الإطارات الأمنية وبعد ذلك غادر الأمن في أوت 1968 وفي يوم 5 ديسمبر من نفس السنة ولما كان في بيت صديقه الحبيب شيخ روحه اتصل به الباهي الأدغم ودعاه لزيارته في صباح الغد لأمر أكيد.. وهو ما كان وعلم ببو هناك أنه سيتم سجن الطاهر بالخوجة وسيتم تعيينه هو على رأس إدارة الأمن الوطني فعبر ببو عن عدم رغبته في ذلك المنصب ولكنه علم أن الرئيس بورقيبة أصر على تعيينه.. فقام ببو بمساع كبيرة لكي يتم إعفاؤه من هذا المنصب ولما استحال ذلك قرر زيارة الرئيس بورقيبة ورافقه في الزيارة السيد الباهي الأدغم ولما كانا في الطريق حاول الأدغم إقناعه بالمنصب وقال له إن بورقيبة يعول عليه كثيرا وإنه مازال في بداية الطريق ولا يجدر به رفض قرار الزعيم.. وقال "لما زرت الرئيس وجدت بقربه السيد أحمد بن صالح فانصرف وتجاذبت مع بورقيبة أطراف الحديث واقتنعت في النهاية بالمنصب واستجبت لرغبته"..

beji1هذه جزء من شهادة السيد الببو اقتطعتها من بعض الصحف القديمة


وبين أنه بمجرد التحاقه بالأمن أرجع بعض رجال الأمن الذين أقالهم بالخوجة وبدعوة من رئيس البلاد آنذاك عمل على تشبيب هيكل الأمن وفكر في إجراء تحوير يشمل بعض مفتشي الشرطة وحينما بلغته الموافقة قام ببرنامج لتكوين بعض الإطارات ليكونوا على استعداد للمسؤوليات
الجديدة.
وفي ما يتعلق بتجربة التعاضد وأحداث الوردانين بين أن بورقيبة ألقى يوم 24 جانفي 1969 خطابا في القبة وقال فيه إن التعاضد يشمل كل المجالات باستثناء النساء.. وفي اليوم الموالي بدأت تظهر بوادر الرفض والتململ في الوردانين وخلال زيارة إلى أحد مقاهي الوردانين أجراها عبد الله فرحات وعمر شاشية وعبد الله بشير وغيرهم شاهدوا غليان الناس الذين عبروا عن رفضهم للتعاضد..
وبعد ذلك خرجت جماهير غفيرة إلى الشارع للتعبير عن رفضها للتعاضد وشوهد جمع كبير من النساء يندبن في ساحة
المدينة..

واتصل ببو بالباهي الأدغم وأخبره أن الوردانين تعيش غليانا كبيرا وحذره من أن رجال الوردانين أشداء وفيهم كثير من زعماء الحركة الوطنية واقترح عليه الإسراع بمعالجة المسالة..
وأضاف: " أقيم موكب في بيت آل فرحات ولما حاول الرافضون لعمليات التعاضد إفساده وقاموا بأعمال عنف وتعمدوا ضرب رجال الأمن بالحجارة وحينما كثر عدد الجرحى تقرر استعمال جميع الوسائل لإيقافهم ومات من المتظاهرين أحد المواطنين وجرح الكثير كما جرح العديد من أعوان الأمن بسبب إصاباتهم بالحجارة خاصة وأن المتظاهرين اختفوا في الغابة ومنها كانوا يلقون الحجارة.. وبعد ذلك تم البحث عن الأشخاص الذين حرضوا على هذه المظاهرة لإحالتهم على العدالة"..

beji2
ومن بين الذين حرضوا على العصيان تحدث ببو عن شقيقة محمد فرحات وعبد الله فرحات فهي التي دعت النساء للخروج إلى الشارع للندب.. وإضافة إلى ذلك كانت هناك شخصيات تبدي تأييدها للتعاضد لكن في الحقيقة كانت تحرض على العصيان. ولما وقع التفطن إلى أمر شقيقة فرحات تمت دعوة ببو إلى التحري في المسألة ففعل ذلك فثبتت عليها تهمة التحريض على العصيان..
وفي اليوم الموالي تحول المتظاهرون إلى القلعة الكبيرة واجتمع الكثير من الناس وتجمهروا أمام مركز الأمن وحطموا نوافذه بالحجارة.. كما حصلت الكثير من المشادات الأخرى في عديد المناطق من شمال البلاد إلى جنوبها وجدت أحداث عنف وعمليات تخريب على غرار قطع أسلاك الهاتف أو قطع السكة..
تقرير عن أحداث الوردانين
بعد أحداث الوردانين وتحديدا يوم 22 فيفري 1969 قدم ببو تقريرا لوزير الداخلية أورد له فيه تفاصيل ضافية عن الوضعية وعن أسبابها وقال له في هذا التقرير إن مالكي الأرض يعتقدون أن الكثير من المشاكل الهامة ستترتب عن عملية التعاضد وتتعلق هواجس المواطنين خاصة بمشاكل السكن ونظام الشغل والضمانات الممنوحة لأصحاب الأرض ومصير الأرامل والعجّز بعد ضم أراضيهم إلى الوحدات التعاضدية وأساليب التصرف المزمع اتباعها ومآل القروض والديون والمكاسب المنجرة عن كسب المواشي ومدى تعميم التعاضد في المستقبل فضلا عن تضارب تصريحات المسؤولين بشأن عمليات التعاضد..
وقال ببو في التقرير: "كان بالإمكان تفادي الإضرابات لو عمل المسؤولون على حسن إقناع المواطنين بجدوى التجمعات الفلاحية".. كما قال إن البلاد كانت تعيش في ذلك التاريخ مرحلة لم تعشها قط منذ الاستقلال بسبب الشك وفقدان الثقة وانتشار البطالة وارتفاع الأسعار وضعف الطاقة الشرائية ويرى المواطن أن ذلك راجع لإصرار الدولة على المضي قدما في التجربة.. وقال إن الحالة تبعث على عدم الارتياح ويجب إتباع حلول ناجعة ومقنعة للناس ولاحظ أن الانتقادات الموجهة للتجربة والمسؤولين وبعد أن كانت في كنف السرية أصبحت علانية وحتى على مسمع من أعوان الأمن..
وبين ببو أنه لما تمت دعوة كبار الفلاحين إلى الانخراط في تجربة التعاضد قاموا بجمع محاصيلهم وباعوها كما باعوا معداتهم الفلاحية ولم يتركوا حتى البذور.. ولما استفحل الأمر وأصبح الحديث عن هذه الأمور علانية علم الرئيس بورقيبة بالأمر وبدأ يفكر في تغيير المسار وتم ذلك يوم 8 سبتمبر 1969.
وقبل ذلك بيوم أي يوم 7 سبتمبر حدث أن تجاذب بعض متساكني الحمامات أطراف الحديث فيما بينهم وقالوا إنهم يريدون أن يتخلصوا من بن صالح فعلم هذا الأخير بالأمر وقال إن هناك من يفكر في قتله فتمت دعوة ببو إلى الاتصال ببن صالح لمعرفة ماذا حدث فلما زاره ببو
وجده
في حالة يرثى لها فعلم أن الأمور تعكرت جدا..
وبعد ذلك بدأ بن صالح يفقد شيئا فشيئا دوره وبدأ الحديث عن محاكمته.. وبعد فترة وفي شهر أفريل تم القبض على أحمد بن صالح وعلى عمر شاشية ومنجي الفقيه والهادي البكوش والبشير ناجي وإبراهيم حيدر والطاهر قاسم والهادي بن عياد وغيرهم وجمدت أرصدتهم..
ومن المفاجآت التي لم تكن في حسبانه تحدث ببو عن حادثة 17 أفريل وهي علمه بتورطه هو في القضية رغم أنه لم يكن له أي ضلع فيها.. وفي اليوم الموالي تمت إحالته على حاكم التحقيق.. وكانت برفقته زوجته فدعاها إلى عدم الاتصال بأي أحد لطلب المساعدة لأنه عمل بإخلاص ولا يخشى أي شيء.. وبعد أن انصرفت زوجته اقتيد ببو إلى السجن وتحديدا إلى زنزانة صغيرة وأمضى هناك 8 أيام لا يرى إلا بصيصا من النور.. ولا يعلم مما يحدث في العالم الخارجي أي شيء.. وفي اليوم التاسع اقتادوه في سيارة الأمن إلى المحكمة وهناك وجد حمادي الشريف وكان هذا الأخير من أصدقائه ولكنه تظاهر بأنه لا يعرفه وكذلك فعل حمادي الشريف.. وقال له حاكم التحقيق "إنك متهم بالخيانة العظمى.. فما هو رأيك.؟" فأجابه ببو "لقد عملت باخلاص كبير وقمت بتقريرين حول التعاضد واعتقد أنك لو تطلع عليهما قد لا توجه إلي هذه التهمة"..
وبين أن حمادي الشريف عمل على الحصول على التقارير سالفة الذكر وحاول إقناع الهادي نويرة بأن ببو بريء من التهم الملصقة به وذهب نويرة للباهي الأدغم وقال له إن حسن ببو مظلوم.. وبعد التشاور تم الاتفاق على إطلاق سراح ببو من السجن.. وحينما عاد حمادي الشريف لمكتبه أبلغ زوجة ببو أن زوجها سيخرج من السجن في الغد.. لكن ذلك لم يحدث وتواصل التحقيق معه ووجهت له تهما أخرى لكن الوقائع كانت تفندها.. وتحدث حسن ببو بكثير من الإطناب عن المعاناة التي عاشها في السجن وعن آثار ذلك على نفسيته خاصة وأنه يثق تمام الثقة في أنه كان مخلصا لبلده.. وقال ان هذه المعاناة استمرت سنوات بعد خروجه من السجن إذ وقع تجميد راتبه مدة ست سنوات..